جلال الدين السيوطي
727
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
أن يقول في ذلك ؟ فقال أبو العباس : فإنّ القول على نحو كذا أفصح ، الجواب الأول . وأوهى ما كان أفسده به ، فبقي الزّجّاج مبهوتا ، ثم قال في نفسه : قد يجوز أن يتقدم له حفظ هذه المسألة وإتقان القول فيها ، ثم يتفق أن أسأله عنها ، فأورد عليه مسألة ثانية ، ففعل أبو العباس فيها نحو فعله في المسألة الأولى حتى والى بين أربع عشرة مسألة ، يجيب عن كلّ واحدة منها بما يقنع ، ثم يفسد الجواب ، ثم يعود إلى تصحيح القول الأول ، فلما رأى ذلك إبراهيم بن السري ، قال لأصحابه : عودوا إلى الشيخ ، فلست مفارقا هذا الشيخ ولا بدّ لي من ملازمته والأخذ عنه . فعاتبه أصحابه ، وقالوا له : أتأخذ عن مجهول لا يعرف اسمه وتدع من قد شهر علمه وانتشر في الآفاق ذكره ؟ فقال لهم : لست أقول بالذكر والخمول ، ولكن أقول بالعلم والنظر . فلزم أبا العباس ، وسأله عن حاله ، فأعلمه برغبته في النظر ، وأنّه قد حبس نفسه على ذلك إلا ما يشغله من صياغة الزّجاج في كلّ خمسة أيام من الشهر ، فيتقوّت بذلك الشهر كلّه ، ثم أجرى عليه في الشهر ثلاثين درهما ، وأمره أبو العباس باطّراح كتب الكوفيين ، ولم يزل ملازما له ، وآخذا عنه حتى برع من بين أصحابه . وكان أبو العباس لا يقرئ أحدا كتاب سيبويه حتى يقرأه على إبراهيم ويصحّح به كتابه ، فكان ذلك أول رياسة أبي إسحاق . وقرأ أبو العباس ثلث كتاب سيبويه على الجرميّ ، وتوفي الجرميّ ، فكمّله على المازنيّ ، وكان مولد أبي العباس يوم الاثنين في ذي الحجة ليلة الأضحى سنة عشر ومائتين ، وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ستّ وثمانين ومائتين ، ودفن بمقبرة باب الكوفة ، وصلّى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي . وقال الزّجّاج : لازمت خدمة عبيد الله بن سليمان الوزير ملازمة قطعتني عن أبي العباس المبرّد ، وعن برّه ، وإجرائي عليه ما كان تعوده مني ، ثم مضيت إليه يوما ، فقال لي : هل يقع حسد الإنسان إلا من نفسه ؟ قلت : لا . قال : فما معنى قول الله سبحانه وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ